على رغم من رفضها الانضمام إلى الهجمات على إيران، ردّت أوروبا على اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط بإرسال سفن حربية وطائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي لحماية القواعد والحلفاء في المنطقة. غير أنّ استعراض هذه القوّة العسكرية، في واحدة من أوسع عمليات التعبئة في القارة خلال السنوات الأخيرة، كشف أيضاً حدود القدرات الدفاعية الأوروبية، بحسب مسؤولين ومحلّلين. وتُعدّ هذه التعبئة أول اختبار ضغط كبير لقدرات أوروبا، منذ أن تعرّض قادة القارة لضغوط من الرئيس دونالد ترامب لزيادة الإنفاق العسكري، رفع عدد القوات، وتحمُّل مزيد من المسؤولية عن دفاعهم الخاص. وحتى الآن، يرى خبراء أنّ الرد العسكري أظهر أنّ إعادة تسليح أوروبا وتجنيدها العسكري لا يزالان في مراحلهما المبكرة، بعد 8 عقود من الاعتماد على القوّة النارية الأميركية.
تركت عمليات الانتشار هذه القوات الأوروبية في حالة ارتباك لمحاولة الحفاظ على جاهزيّتها الكاملة في جبهات أخرى، بما في ذلك بحر البلطيق، حيث كانت تحاول إظهار قوّة ردع في مواجهة روسيا. كما أنّ تحويل المعدّات والذخائر إلى الحلفاء العرب في الخليج العربي قوَّض قدرة أوروبا على دعم دفاع أوكرانيا ضدّ موسكو.
وأوضح كارلو كاليندا، عضو مجلس الشيوخ الإيطالي: «نحن هشّون جداً من وجهة نظر حربية. قد تكون هناك مشكلة في الدفاع عن بلدنا». وقد شكّل نشر فرنسا لسفن حربية، من بينها حاملة طائراتها الوحيدة العاملة بالطاقة النووية، في البحر المتوسط والخليج العربي، أكثر من نصف أسطولها القتالي، في استعراض للقوّة أجبر باريس على تقليص عملياتها في أماكن أخرى. كما أدّت تعقيدات إدارية إلى تأخير نشر مدمّرة بريطانية إلى قبرص لمدة أسبوع، ممّا أضعف آمال بريطانيا في إظهار القوّة.
أمّا قرار إيطاليا إرسال معدات دفاعية إلى الحلفاء العرب الذين يتعرّضون لنيران إيرانية، فترك ترسانتها الخاصة متراجعة بشكل خطير. كما أنّ استخدام الولايات المتحدة لهذا القدر الكبير من القوّة النارية في إيران قلّص بشدة مخزوناً كانت أوروبا تأمل أن تعتمد عليه مستقبلاً.
ويشرح إد أرنولد، المحلل الأمني الأوروبي في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث في لندن: «إذا كانت الولايات المتحدة تطلق هذا الكم من الذخائر ضدّ إيران، فلن تتمكّن من استخدامها ضدّ الصينيِّين، لنقل بعد عامَين، ولن تكون متاحة للأوروبيِّين ضدّ روسيا. الفجوات في القدرة العسكرية الأوروبية معروفة جيداً. نحن فقط لم نفعل ما يكفي لمعالجتها منذ وقت طويل جداً. وبعض الدول تنكشف الآن بشكل كامل».
بريطانيا
بعد أن أصابت طائرة مسيّرة إيرانية قاعدة جوية بريطانية في قبرص الأسبوع الماضي، تعهّد رئيس الوزراء كير ستارمر بنشر مدمّرة في شرق البحر المتوسط، أملاً في طمأنة حلفاء بريطانيا القبارصة. كما أرسل 4 طائرات مقاتلة مسلّحة بالصواريخ و4 مروحيات وأنظمة مضادة للمسيّرات، للدفاع عن قواعد في دول الخليج ضدّ الهجمات الإيرانية المضادة، وسمح أيضاً لقاذفات أميركية بتنفيذ ضربات دفاعية ضدّ إيران انطلاقاً من قواعد بريطانية.
وعلى رغم من أنّ هذه الخطوات كان يُراد منها إظهار القوّة، فإنّها سلّطت الضوء أيضاً على تقلّص الموارد العسكرية البريطانية. فقد غادرت المدمّرة متّجهة إلى قبرص بعد أكثر من أسبوع على الهجوم، ما أثار تساؤلات حول جاهزية بريطانيا القتالية. كما خلص تحليل حديث صادر عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إلى أنّ مساهمة بريطانيا في الدفاعات الجوية في الشرق الأوسط لا تشكّل سوى «وخزات طفيفة» في سياق الجهود الأميركية-الإسرائيلية الأوسع لصدّ ردّ إيران.
ووفقاً للتحليل، فإنّ القوات المسلحة البريطانية «قُلِّصت بشدة»، إلى درجة أنّ «الوقائع العملية ستُقيِّد ما يمكن للمملكة المتحدة فعله» رداً على الحرب.
فرنسا
أرسلت فرنسا نحو 12 قطعة بحرية، من بينها حاملة طائراتها الوحيدة العاملة بالطاقة النووية، إلى البحر المتوسط والخليج العربي. وتمثل هذه القوّة نحو 60% من الأسطول القتالي الفرنسي، وفقاً لفانسان غرويزولو، رئيس تحرير مجلة «سي آند مارين» الفرنسية المتخصِّصة. وتهدف المهمّة إلى حماية المواطنين الفرنسيِّين في المنطقة؛ والدفاع عن الحلفاء، بمن فيهم قبرص؛ وضمان قدرة السفن على الإبحار بأمان عبر مضيق هرمز، الممر الذي يعبره نحو خُمس إمدادات النفط في العالم.
وأشار بعض المحلّلين إلى أنّ هذا الانتشار أجبر فرنسا على الانسحاب، ممّا وصفه مسؤول في حلف شمال الأطلسي، بأنّه مهمّة استعراض قوّة لردع روسيا في بحر البلطيق. ويرى آخرون إنّ فرنسا أظهرت للحلفاء في العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة أنّ باريس حليف يمكن الاعتماد عليه، وأنّ سرعة الانتشار كشفت بطء بريطانيا.
واعتبر غرويزولو أنّ «أي بحرية أوروبية لم تنشر هذا العدد من الأصول منذ حرب الخليج». فالانتشار بعث رسالة إلى روسيا وإلى الولايات المتحدة مفادها أنّ أوروبا «ليست ضعيفة. لدينا أصول عسكرية، قادرون على التدخُّل بسرعة كبيرة، وقادرون على الدفاع عن أنفسنا».
أمّا إيلي تينينباوم، الخبير الأمني في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وهو مركز أبحاث في باريس، فاعتبر أنّ مزايا الانتشار في الخليج تفوق كلفة الابتعاد موقتاً عن المياه القريبة من روسيا: «بالتأكيد، هم ليسوا في شمال الأطلسي يقومون بدوريات أو بمطاردة الغواصات الروسية في بحر النروج. لكنّ الأمر ليس كما لو أنّنا نواجه هجوماً فورياً من روسيا».
إيطاليا
نشرت إيطاليا فرقاطة صاروخية للدفاع عن قبرص، لتنضمّ إلى بحريات أوروبية من بينها بريطانيا، فرنسا، إسبانيا، وهولندا. كما وافقت على إرسال صواريخ «ستينغر» المحمولة على الكتف ومدفعية مضادة للمسيّرات وأنظمة دفاع جوي أخرى للمساعدة في الدفاع عن حلفاء الخليج.
والتقى وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو بأكثر من مئة مسؤول من صناعة الدفاع في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وطلب منهم «استنزاف كل الموارد» لمساعدة دول الخليج، وفقاً لروبرتو تشينغولاني، الرئيس التنفيذي لشركة الدفاع ليوناردو الذي حضر الاجتماع.
لكن في سعيها لإثبات قيمتها لشركائها العرب، تخاطر إيطاليا بترك أوروبا مكشوفة أمام تهديدات من بينها روسيا. كما زادت الضغط على صناعة الأسلحة التي كانت تكافح أصلاً لتلبية الطلب.
وللمساعدة في دعم الخليج، أكّد كاليندا أنّ إيطاليا تنقل أحد أنظمة الدفاع الجوي الثلاثة العاملة لديها من طراز SAMP/T إلى الشرق الأوسط من منطقة البلطيق، حيث يخشى القادة هجوماً روسياً.
وكشف كاليندا، السياسي اليساري معارض، أنّ إيطاليا بات لديها الآن بطارية واحدة فقط من نظام SAMP/T، في حين يُنتج نحو 200 صاروخ اعتراضي فقط سنوياً: «قدراتنا منخفضة جداً، جداً في الوقت الحالي».
وأقرّ تشينغولاني، أنّ شركات الدفاع تحاول بيأس مواكبة الطلب: «بصراحة، عدد الحروب ينمو بسرعة أكبر حتى من برنامجنا لزيادة القدرة الإنتاجية. لكن نأمل ألّا يستمر الوضع هكذا إلى الأبد».
أوكرانيا
أرسلت أوكرانيا، الغارقة في حربها لصدّ روسيا، فريقاً من خبراء الطائرات المسيّرة والمبعوث رستم عميروف إلى دول الخليج. وأعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أنّ المسؤولين سيقدّمون المَشوَرة حول كيفية مواجهة الطائرات الإيرانية الهجومية المسيّرة، مستخدمين خبرة اكتسبوها عبر سنوات من حرب المسيّرات ضدّ موسكو. وجاءت هذه الخطوة في وقت تسعى فيه أوكرانيا لإثبات نفسها حليفاً مفيداً، وللحفاظ على الدعم العالمي لدفاعها.
ويبدي المسؤولون الأوروبيّون قلقاً متزايداً من أنّ الحرب في إيران استنزفت بشدّة الإمدادات العالمية من الصواريخ الاعتراضية المستخدمة لإسقاط الطائرات المسيّرة والمقذوفات الأخرى. ويخشون أن ينفد حلفاء أوروبا في الخليج من الصواريخ الاعتراضية، وأن يؤدّي إرسال المزيد منها إلى تقليص الإمدادات المتاحة لأوكرانيا لمواجهة الهجمات الروسية. ففي الأسبوع الأول من الحرب في الشرق الأوسط، استهلك حلفاء الولايات المتحدة نحو 800 صاروخ «باتريوت»، وهو عدد يفوق ما تلقته أوكرانيا خلال أكثر من 4 سنوات من الحرب، بحسب مسؤولين أوكرانيِّين.
فيما أكّد وزير خارجية بولندا، رادوسلاف سيكورسكي، أنّ بلاده لن تساهم في التعزيز العسكري الأوروبي في الشرق الأوسط، «لأنّنا نخوض حالياً حرباً على حدودنا».